فبعد خوض 13 مباراة شاقة في التصفيات، والخضوع لفترة حجر صحي قبل انطلاق البطولة بسبب تفشي فيروس إيبولا، إلى جانب تداعيات عقود من الصراعات وعدم الاستقرار، نجح المنتخب الكونغولي في فرض نفسه على الساحة العالمية وكتابة واحدة من أكثر القصص إلهامًا في مونديال 2026.
وقال يوان ويسا، صاحب الثنائية التي قادت بلاده إلى أول انتصار في تاريخها بكأس العالم على حساب أوزبكستان والتأهل لمواجهة إنجلترا: "الأمر ليس سهلاً في بلدنا".
ولا تقتصر الروابط بين منتخب الكونغو الديمقراطية وإنجلترا على المواجهة المرتقبة فقط، إذ تضم تشكيلة "الفهود" عدة أسماء نشأت وتطورت كرويًا في الملاعب الإنجليزية.
فقد وُلد آرون وان بيساكا في لندن ومثل منتخب إنجلترا حتى فئة أقل من 21 عامًا، كما ارتدى أكسيل توانزيبي قميص "الأسود الثلاثة" في مختلف الفئات السنية، وقد يجد نفسه في مواجهة زميله السابق في المدرسة والنادي ماركوس راشفورد.
ومن بين قائمة تضم 26 لاعبًا، وُلد 20 لاعبًا خارج حدود الكونغو الديمقراطية، معظمهم في فرنسا، في انعكاس واضح لآثار النزاعات التي دفعت آلاف العائلات إلى الهجرة بحثًا عن الأمان والاستقرار في أوروبا.
وقال ويسا: "هناك حرب في شرق الكونغو، وكل يوم وكل مرة نرتدي فيها هذا القميص نفكر في أهلنا هناك".
وأضاف: "نريد السلام لبلادنا، ونقول شكرًا لكل من وقف معنا. لقد جئنا من بعيد، جئنا من لا شيء لنكون هنا اليوم، والآن نكتب قصتنا ويجب أن نفخر بها".
وتنبع قصة هذا المنتخب الملهمة من تلك الخلفية الإنسانية الصعبة، حيث أصبح استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية عنصرًا أساسيًا في مشروع بناء منتخب قادر على منافسة الكبار.
وكان آرون وان بيساكا من بين اللاعبين الذين احتاجوا في البداية إلى بعض الوقت لاتخاذ قرار تمثيل الكونغو، خاصة بعد انتقاله إلى مانشستر يونايتد في صفقة بلغت قيمتها 50 مليون جنيه إسترليني وهو في الحادية والعشرين من عمره، قبل أن تتعثر آماله في تمثيل المنتخب الإنجليزي الأول.
ومع الصعود اللافت لمنتخب "الفهود"، أصبح المزيد من اللاعبين من أصول كونغولية أكثر حماسًا للانضمام إلى المشروع الرياضي الجديد.
ويُعد نواه صديقي أحد أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما فضّل تمثيل الكونغو الديمقراطية رغم تمثيله سابقًا للمنتخب البلجيكي في الفئات السنية، في خطوة تعكس ارتباط الجيل الجديد بجذوره ورغبته في خدمة بلاده.
وقال صديقي لصحيفة "ليكيب" الفرنسية: "هناك جيل جديد يريد مساعدة شعب البلاد وإسعاد الجماهير".
وكانت المشاركة الوحيدة السابقة للكونغو في كأس العالم تعود إلى نسخة 1974 تحت اسم زائير، وانتهت آنذاك بصورة مخيبة بعد تلقي 14 هدفًا في ثلاث هزائم متتالية.
لكن بعد أكثر من نصف قرن، عاد الجيل الجديد ليمنح شعبه سببًا جديدًا للحلم.
ولم تكن الاستعدادات للمونديال سهلة، إذ أثّر تفشي فيروس إيبولا، الذي أودى بحياة أكثر من 300 شخص، على تحضيرات المنتخب، كما فرضت الولايات المتحدة فترة عزل استمرت 21 يومًا على اللاعبين الموجودين في بلجيكا قبل السماح لهم بدخول البلاد.
ورغم كل تلك الظروف، نجح المنتخب بقيادة المدرب الفرنسي سيباستيان دوسابر في تحدي الصعاب، بعدما أطاح بالكاميرون ونيجيريا في التصفيات، قبل أن يحسم تأهله إلى النهائيات بفوز على جامايكا في الملحق القاري.
وفي كأس العالم، فرض الكونغوليون التعادل على البرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو في الجولة الأولى بفضل هدف رأسي من ويسا، قبل أن يخسروا بصعوبة أمام كولومبيا بهدف دون رد.
وكان الفوز على أوزبكستان بنتيجة 3-1 كافيًا لكتابة فصل جديد في تاريخ الكرة الكونغولية، والتأهل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى وسط دعم الآلاف من أبناء الجالية الكونغولية في المدرجات.
والآن، ينتظر منتخب الكونغو الديمقراطية اختبارًا من العيار الثقيل أمام إنجلترا، أحد أبرز المرشحين للتتويج باللقب.
لكن بالنظر إلى حجم التحديات التي تجاوزها للوصول إلى هذه المرحلة، يبدو أن "الفهود" لن يدخلوا المواجهة وهم يشعرون بالرهبة، بل بالإيمان بأن المستحيل يمكن أن يتحول إلى واقع.







التعليقات 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق على هذا المقال!