رأي
الجزائر أكبر من 90 دقيقة.
في ظل الإصلاحات الجذرية التي أقرها رئيس الجمهورية منذ توليه قيادة البلاد، شهدت الجزائر تحولات عميقة في مختلف المجالات، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية التي أصبحت تشكل ركيزة أساسية لبناء الدولة الحديثة وتعزيز سيادتها الاقتصادية والأمنية.
غير أن هذه التحولات لم تمر دون مقاومة، إذ واجهت محاولات متكررة من أطراف تعمل من الداخل والخارج، سعت بكل الوسائل إلى التشويش على مسار الإصلاح وزعزعة استقرار البلاد عبر افتعال الأزمات وإثارة القضايا الهامشية وصناعة الجدل. إلا أن أغلب هذه المحاولات باءت بالفشل، بعدما أثبت الشعب الجزائري درجة عالية من الوعي والإدراك، ورفض الانجرار وراء حملات التضليل والاستفزاز.
وأمام فشل تلك المحاولات، لم يجد أصحاب هذه الأجندات سوى كرة القدم، باعتبارها المجال الأكثر قدرة على إثارة المشاعر، فحاولوا تحويلها من فضاء للفرح والتنافس الرياضي إلى ساحة للصراع والفتنة والانقسام.
والغريب أن هذه الحملات جاءت في وقت حقق فيه المنتخب الوطني إنجازًا، بعد عودته إلى نهائيات كأس العالم عقب أكثر من اثني عشر عامًا، وتمكنه من التأهل إلى الدور الثاني في خامس مشاركة له في تاريخه. ورغم هذا الإنجاز، انطلقت حملات التشكيك والتخوين والتأليب، وكأن النجاح أصبح تهمة، والاختلاف في الرأي مبررًا للمساس بكرامة الأشخاص وسمعتهم.
وما يثير الاستغراب حقًا هو أن بعض الأصوات التي تعجز عن تعبئة المواطنين للمشاركة في الانتخابات المحلية أو التشريعية لاختيار الأكفأ لخدمة التنمية، وخلق فرص العمل، وتحسين معيشة المواطنين، تتحول فجأة إلى قوى قادرة على إطلاق حملات واسعة وممنهجة عندما يتعلق الأمر بمباراة كرة قدم أو قرار رياضي. أليس الأولى أن تُوجَّه هذه الطاقات إلى القضايا التي تمس مستقبل الوطن، بدل استنزافها في صراعات لا تتجاوز تسعين دقيقة فوق المستطيل الأخضر؟
ثم هل يُعقل أن يُقاس مستوى الدول أو كفاءة منظوماتها الرياضية بنتيجة مباراة واحدة؟ وهل أصبحت البطولة الألمانية، على سبيل المثال، ضعيفة أو خالية من المواهب لأن منتخبها غادر المنافسة من الدور الثاني، كما حدث مع المنتخب الجزائري؟ الرياضة بطبيعتها تقوم على الفوز والخسارة، وهذه هي فلسفة المنافسة في جميع أنحاء العالم.
الأخطر من كل ذلك هو الانحدار الخطير في الخطاب، حيث أصبح التخوين والقذف والتشهير سلوكًا عاديًا على منصات التواصل الاجتماعي، دون مراعاة لحرمة الأشخاص أو لمشاعر أبنائهم وعائلاتهم. إن الاختلاف في الرأي لا يمكن أن يكون مبررًا للمساس بالأعراض أو نشر الكراهية، لأن المجتمعات لا تُبنى بالسب والشتم، وإنما بالحوار والاحترام والمسؤولية.
إن المرحلة التي تعيشها الجزائر تفرض علينا جميعًا أن نرتقي بوعينا، وأن نُحسن ترتيب أولوياتنا، وأن نفرق بين ما هو مصيري وما هو ترفيهي. فالوطن يواجه تحديات حقيقية تتطلب تماسكًا ووحدةً وصفًا واحدًا، بينما تبقى كرة القدم مجرد رياضة تجمع ولا تفرق، وتمنح لحظات من الفرح، لكنها لا ينبغي أبدًا أن تتحول إلى وسيلة لزرع الفتنة أو تمزيق النسيج الوطني.
فهل نحن، حقًا، واعون بما يحدث من حولنا؟ وهل ندرك حجم التحديات التي تواجه بلادنا؟ وهل أصبحت أولوياتنا في مكانها الصحيح، أم أننا نسمح لمن يريد الاصطياد في المياه العكرة بأن يجرنا إلى معارك جانبية لا تخدم إلا أعداء الجزائر؟.
مساحة إعلانية داخل المحتوى — 728×90
كاتب رأي
الدكتور سميح امعوش
إعلامي رياضي
1 تحليل ومساهمة على الموقع
